منير سلطان

180

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

النفسية وراء لفظة « يصنعون » « 1 » وكذا إشارته إلى لفظ وجه في الآية ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) « 2 » [ يوسف - 9 ] . التحليل الجمالى للنظم : والزمخشري يحلل جماليا المعاني النفسية الكامنة وراء نظم الكلام ، ففي الآية « إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ » [ الحجرات - 3 ] يقول : وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسما لأنّ المؤكّدة ، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا ، والمبتدأ اسم الإشارة ، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم ، وإيراد الجزاء نكرة مبهما أمره ، ناظرة « 3 » في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من خفض أصواتهم وفي الإعلام بمبلغ عزّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقدر شرف منزلته ، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم ، واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء . ويتابع الزمخشري قوله في الآي بعد ما سبق ( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) . . فورود الآية على النمط الذي وردت عليه ، فيه ما لا يخفى على الناظر من بينات إكبار محل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإجلاله ، منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين بالسّفه والجهل لما أقدموا عليه ، ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ، ومنها المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكره عليهم . ومنها التعريف باللام دون الإضافة ، ومنها أن شفع ذمّهم باستجفائهم واستركاك عقولهم ، وقلة ضبطهم لمواقع التمييز في المخاطبات ، تهوينا للخطب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتسلية له ، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم . ثم هو يستعيننا أن نتذوق معه حلاوة الآي فيكر مرة أخرى عليها من أول

--> ( 1 ) نفس المصدر - 1 / 266 . ( 2 ) نفس المصدر - 1 / 263 . ( 3 ) أي الآية بنظمها هذا .